ابتسم واحتضن ألمك - صحيفة ثربان الإلكترونية




حين سرقت مجوهرات صوفيا لورين أثناء وجودها في لندن اكتأبت وحزنت حزناً بالغاً، وظلت تبكي طوال الوقت وقف إلى جوارها في تلك المحنة المخرج العالمي ( فيتوريو دى سيكا ) , و قال لها : وهي في نوبة بكاء شديدة وفري دموعك يا صوفيا كلانا من أبناء نابولي الفقراء خرجنا من تحت الرماد ، وأقمنا أنفسنا كسبنا كثيراً، وخسرنا ثم كسبنا لأن المال يأتي ويذهب انفجرت في وجهه باكية : أنت لا تفهم شيئاً، كانت تلك المجوهرات والحلي جزءاً مني )) , أمسك صديقها المخرج منديلا " ليمسح لها الدموع برفق , وقال لها مقولته " لا تبكِ أبد أعلى شيء لا يمكنهُ البكاء عليك " الشهيرة : بمعنى آخر لا فائدة من البكاء ، أن خرجت الأمور عن سيطرتك ، وأصبحت تتجه لمجهول لا تعرف له طريق ، ولا من أين له تسير ؟

بعيداً عن قصة جواهر صوفيا لورين المسروقة ، يحكى أن اديسون استيقظ ذات يوم من النوم على مشهد اشتعال النار في معمله ، حيث التهمت النيران كل أوراقه ،وأبحاثه وأدوات مختبره ، وكان حينها في السبعين من العمر كان الحريق كبيراً يصعب السيطرة عليه .

وقف الرجل العجوز بهدوء يشاهد ألسنة اللهب، مما دفع ولده الذي جاء مُسرعاً لمشاهدة المأساة أن يقول : " اقتربتُ من أبي وأنا خائف مما يمكن أن تفعله تلك المصيبة به، لأنه يشاهد جهد عمره يحترق أمامه " , غير أن المدهش هو ما حدث، حيث فُوجئ الابن بابتسامة هادئة قد افترشت وجه أبيه، والذي قال حينما رآه : " أيقظ أمك يا بني؛ لتشاهد هذا المشهد الفريد، أظنها لم تر ناراً بهذا الشكل من قبل! "

توقف الابن مذهولًا وقد ظن أن ثمة شيء قد أصاب الأب من أثر المصيبة، إلا أن أديسون قال له وقد فطن إلى ما يدور بخلده : " لدينا غداً فرصة لبداية جديدة خالية من أخطاء الأمس " .

هاتان القصتان المؤسفتان تفسران فلسلفة كلامنا منا في التعامل مع المصائب التي تحدث يقينًا ، سيموت مَن نُحب، ويخون من نثق به، ويضيع ما نتمنى دوام امتلاكَه ، ويخذلنا من توقعنا منه الكثير ، ويتركنا من عاهدنا على الوفاء .

ستحدث المصائب لأننا لا نملك قواعد اللعبة ، ونجهل الأقدار المكتوبة لنا ، ولا نملك تفسير حدوثها !، ولماذا حدثت وتحدث لنا ،ولغيرنا ؟

عندما تقع المصائب لا شك أنها ستنال منك مهما كانت قوتك ، وتترك آثارها في ملامحك المكفهرة ، وذهنك الشارد ، وقلبك الحزين ، وفقدان الشقف لما حولك ، وحتى الحياة نفسها , فقد تحولك لبقايا آدمي ميت وأنت حي ، أو لعجوز يتحضر وأنت في عنفوان الشباب ،أو شبح هزيل رغم أنك لا تعاني من داء , تنتظر لمجهول لا تعلمه ، ساخطاً على البشر وأن لم تعرفهم , غارقاً في بحر البؤس ، تتجرع أحزانك على مضض ، وتمضغ أوجاعك حين ينزعك الجوع , بكلا الأحوال أنت بطل المأساة ، ومن يتنقل بفصولها لنهاية ، وفي الأخير عليك أن تُحي الجماهير ،وأنت تهم في مغادرة المسرح .

عش لحظاتك التعيسة بروح أنيقة ، وقاوم ضعفك بكل ما استطعت ،وتأدب في حديثك مع الله أولاً ، ومن حولك , لا بأس أن تبكي يقول : ساندرا سراج ( أنا بخير أحتاج فقط من حين لأخر أن أنعزل، و أبكي كثيراً أحتاج أن أتنازل عن قناع " القوة " الذي ارتديه أنا بخير و لكني أحتاج احياناً أن أعبر عن كوني لستُ بخير ) , كن واقعياً مع نفسك لا تغرق في فخ الإيجابية لتجعل من نفسك الضحية تدفع ثمن أخطأ الآخرين ، وتقع في مصيدة نوياهم السيئة ، وتجني الخيبات دائماً , وكذلك لا تسقط في فخ السلبية وتجلد ذاتك ، وتمزقها بأنياب السخط ، وتكبلها بقيود العجز .

عش تلك اللحظات العصبية مع القلوب التي تحبك بصدق ، ومن تشاطرك نفس الشعور ، وتشارك ذات الألم , قد لا ترى دموعهم لأنها تبكي بعيداً عنك ، وتحرقها آهاتك دون أن تقترب منك ، وتطمئن عليك وأن أغلقت أبوابك دونهم , تتسلل إليك رغم النوافذ المُسدلة ، وتزورك في زنزانة عزلتك ، وتقتحم وحدتك بلا استئذان منك , تأكد من قلقها عليك حتى أن تظاهرت أمامك بغير ذلك ، وحرصها على مساعدتك وأن جلست بجانبك دون أن تنطق بحرف , بل قد تسرد عليك قصص في الأمل وهي المنهكة باليأس ،و تمد لك طوق النجاة وهي الغارقة بالوحل ، وتقرأ لك بطولات وهي ممرغة بشتى الهزائم , هؤلاء البشر هم رسائل سماوية يهون معهم الجانب القبح من الحياة ، وهبات لطيفة من الله تزيل بشاعة بعض البشر ، في الغالب ستكون عائلتك أو شخص ما تعني له الكثير .ولن تجدهم في أغلب الناس حولك .

كلنا في مصيدة الأقدار ، تُوزِّع علينا الحياة أوراق اللعب ، والحقيقة أن الفائز ليس فقط من يملك أوراقًا جيدة، وإنما من يقدر على اللعب جيدًا بالأوراق السيئة كما فعل اديسون , في تلك اللحظات الشرسة التي تد اهمنا موجات الإنطفاء ، ونفقد شقفنا للأشياء التي كنا نحلم بها ، وتفجعنا الأقدار بما لم يخطر لنا على بال .

علينا الاستمرار باللعب في ذات الأوراق السيئة ، هي فرصة لتتوقف عندها ، نعيد ترتيبها ، ونبدأ من جديد ، إحدى محاولاتك لأبد أن تنجح .

كن فخوراُ بكل تلك الندبات الخفية التي تركت آثارها داخلك ، والتي لم يلاحظها أحد لكنك تجاوزتها في نهاية الآمر , و مُمتناً لليالي التي بكيت فيه وحدك ، وشاكراً للقلوب التي شاطرتك أوقاتك المريرة دون ضجر ، ورافقتك لآخر الطريق رغم الوحشة ، وتحملتك في أسوأ حالاتك ،وتمسكت بك رغم الهزيمة ، ودافعت عنك حتى عندما حكمت على نفسك , لتعود للحياة من جديد، وداخلك إنسان أخر بروح أقوى ، وفكر أعمق ، ونضج تهدية لك الأيام .

بقلم - أمل بنت مطلق الحربي
الاحساء - المنطقة الشرقية
تعليقات : 0 | إهداء : 0 | زيارات : 1982 | أضيف في : 11-06-2021 01:17 | [أضف تعليق] إرسال لصديق طباعة حفظ بإسم حفظ PDF


أمل بنت مطلق الحربي
أمل بنت مطلق الحربي

الحجم

تقييم
10.00/10 (1 صوت)

مشاركة

محتويات مشابهة/ق

محتويات مشابهة

الاكثر مشاهدةً/ش

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

الاكثر تفاعلاً/ق

الاكثر اهداءً/ق

الافضل تقييماً/ق

الاكثر مشاهدةً/ق

الاكثر ترشيحاً/ق

المشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لصحيفة (ثربان) الإلكترونية بل تمثل وجهة نظر كاتبها