بناء الذات - صحيفة ثربان الإلكترونية




تفتقر أغلب المجتمعات العربية إلى بناء ثقافي متماسك يكفل لهذه المجتمعات مواجهة التحديات المعاصرة بشتى أطيافها التي تنعكس سلباً أو إيجاباً على الهموم الثقافية والاجتماعية على حد سواء .

ونحتاج في عالمنا العربي إلى تأسيس فكر مجتمعي يلامس الهم الوجداني ويساعد في إزالة العتمة والجهل والتخلف المسيطر على عقول الكثيرين والسعي للانفتاح على الآخر، والتصالح مع الذات بعيداً عن تضخم الأنا وتعزيز الفكر التنويري لدى الفرد بعيداً عن المناطقية والعرقية والمذهبية, وأن يكون لدينا وعي في التعامل مع غيرنا واحترام مبادئه وقيمه وأفكاره ومعتقداته .

وإذا استطعنا تعزيز هذا الجانب لدى الفرد سنقوي دعامة المجتمع العربي وننهض بمستواه, كما أن الصراع على الأفضلية دائماً ما يرتكز على الخلفية الثقافية التي يتكئ عليها الفرد, فنجد من يمنح نفسه الحق في إعطاء ذاته جميع حقوقه؛ بينما يتجاوز حقوق الآخرين؛ كما يجهل البعض أن قبول الآخر لا يعني الاستسلام له والذوبان في بوتقته وإلغاء الكيان الذاتي، بل على العكس تماماً ذلك القبول يحقق التعايش, ويسهل التواصل الثقافي والاجتماعي بين الآخرين .

وما يفعله الكثيرون من إقصاء الآخر ومحاولة تهميشه أمر مرفوض, وقد وصل الأمر ببعضهم إلى مهاجمة الآخرين والنيل منهم وانتقاص من مكانتهم العلمية والاجتماعية بفعل أحقاد دفينة أو ثقافة مريضة وكل ذلك يؤدي إلى تقطيع أواصر الألفة وتضييق دائرة التلاقي بين الأشخاص مما يؤدي إلى مزيد من التوتر في العلاقات الاجتماعية والفكرية والثقافية ويجبر الآخرين على التنحي عن منبر الرأي ويترك مساحة الحوار خالية من أي مضامين ورؤى .

إن قبول الآخر باختلاف دينه وفكره ومنطقه والتعايش معه والبعد عن شخصنة الأمور في التعامل يجعل الحياة أسهل, كما أن محاولة التكيف مع أمزجة الآخرين يجعل بيئة العمل أفضل .

في المقابل نجد أن الغالبية العظمى في مجتمعاتنا العربية تفتقد لثقافة قبول الآخر وتجهل ماهية هذه الثقافة بتغليب ثقافة ديكتاتورية رافضة لكل ما هو مغاير لنا في الفكر والمذهب. وهي ثقافة متجذرة للأسف منذ عقود, وإعادة بلورتها يتطلب وعياً ذاتياً ومجتمعياً وهذه الثقافة نتجت لأسباب عديدة منها الديكتاتورية والأحادية في اتخاذ القرارات وانخفاض سقف الحرية المتاح، وتغذية ثقافة العنف والإقصاء لكل فعل مختلف عنا فانتشرت تلك النزاعات المناطقية والعرقية بين أبناء الوطن الواحد، وبدؤوا باستخدام أساليب مستهجنة في الرفض ( كالسب والشتم ) لكل من هو خارج دائرتهم؛ وكل ذلك أدى إلى خلل في تماسك مكونات الوطن وصعوبة الاعتراف بكينونة الآخر الإنسانية ومنحه حقوقه الشرعية بغض النظر عن خلفيته الدينية والعرقية والمذهبية والمناطقية؛ لذلك لابد من العمل على ترسيخ قيمة هذه الثقافة وتطبيقها في حياتنا المجتمعية وتكاتف جميع الجهود المؤسسية لتعزيز مفهوم المواطنة والتعددية واحترام الآخر لبناء استقرار ثقافي واجتماعي وحماية مكونات الوطن من التفكك .




مقال بقلم الأديبة والكاتبة
الأستاذة آمنه بنت عيسى الحربي
تعليقات : 0 | إهداء : 0 | زيارات : 1149 | أضيف في : 04-07-2020 01:03 | [أضف تعليق] إرسال لصديق طباعة حفظ بإسم حفظ PDF


امنه بنت عيسى الحربي
امنه بنت عيسى الحربي

الحجم

تقييم
10.00/10 (1 صوت)

مشاركة

الاكثر تفاعلاً/ق/ش

الافضل تقييماً/ق/ش

الاكثر مشاهدةً/ق/ش

الاكثر ترشيحاً/ق/ش

الافضل تقييماً/ش

الاكثر مشاهدةً/ش

الاكثر ترشيحاً/ش

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

الاكثر تفاعلاً/ق

الاكثر اهداءً/ق

الافضل تقييماً/ق

الاكثر مشاهدةً/ق

الاكثر ترشيحاً/ق

المشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لصحيفة (ثربان) الإلكترونية بل تمثل وجهة نظر كاتبها